الذهبي

مقدمة الكتاب 59

سير أعلام النبلاء

من ذلك مثلا ما ذكره في ترجمة أبان بن تغلب الكوفي ، قال : " شيعي جلد ، ولكنه صدوق فلنا صدقه ، وعليه بدعته . وقد وثقة أحمد بن حنبل ، وابن معين ، وأبو حاتم ، وأورده ابن عدي ، وقال : كان غاليا في التشيع . وقال السعدي : زائغ مجاهر . فلقائل أن يقول : كيف ساغ توثيق مبتدع ، وحد الثقة العدالة والاتقان ؟ فكيف يكون عدلا من هو صاحب بدعة ؟ وجوابه أن البدعة على ضربين : فبدعة صغرى كغلو التشيع ، أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرف ، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق ، فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية ، وهذه مفسدة بينة . ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه ، والحط على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، والدعاء إلى ذلك ، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة . . ولم يكن أبان بن تغلب يعرض للشيخين أصلا ، بل قد يعتقد عليا أفضل منهما ( 1 ) " . وقال في ترجمة أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني : " أحد الاعلام صدوق ، تكلم فيه بلا حجة ، ولكن هذه عقوبة من الله لكلامه في ابن منده بهوى ، قال الخطيب : " رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها ، منها أنه يطلق في الإجازة أخبرنا ولا يبين . وقلت ( يعني الذهبي ) : هذا مذهب رآه أبو نعيم وغيره ، وهو ضرب من التدليس . وكلام ابن منده في أبي نعيم فظيع ، لا أحب حكايته ، ولا أقبل قول كل منهما في الآخر ، لا أعلم لهما ذنبا أكثر من روايتهما الموضوعات ساكتين عنها . . قلت : كلام الاقران بعضهم في بعض لا يعبأ به ، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد ، ما ينجو منه إلا من عصم الله ، وما علمت أن عصرا من الاعصار سلم أهله من ذلك ، سوى الأنبياء

--> ( 1 ) " ميزان الاعتدال " 1 / 5 6 وانظر أمثلة أخرى في " معجم الشيوخ " م 1 الورقة 256 ، م 2 الورقة 72 ، " وتاريخ الاسلام " الورقة 93 ( أحمد الثالث 2917 / 9 ) .